الذهبي
8
الأمصار ذوات الآثار
خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . . . ولا يخفى على ذي بصيرة أن هذه الآيات فيها دعوة إلى العلم الموافق لفطرة الإنسان ، المقرّة بوجود رب خالق قاهر ، ومربوب مخلوق مقهور . وهذا الارتباط بين العلم والفطرة التي غذتها الرسالة النبوية أدى إلى نجاح الحركة العلمية عند المسلمين نجاحا باهرا لم تعهده أمة من الأمم . فقد قامت قديما وحديثا حركات ومذاهب تدعو إلى العلم على غير هدى ، حيث أهملت جانب الفطرة ، وانطلقت من نقطة فارغة ، وأخذت تتعثر بنفسها لأنها أرادت الخوض في أمور هي أوسع من دائرة العقل الإنساني ، فأجهدت نفسها ، وأعدمت قوتها دون طائل ، ومن هنا نرى أن معظم المذاهب الفلسفية لم تجد نفعا ، ولم تحقق غرضا ، إلا بث الجدليات العقيمة التي حالت دون تقدم العلم . فالحضارة لا تكون سوية إلا إذا نشأت في ظل دين سماوي ، لأن هذا الدين يرسم للإنسان السبيل القويم ، ويسلك به إلى شاطىء النجاة واليقين ، ويضعه أمام واقع يتجاوب عقل الإنسان معه . لقد تأخر العرب قبل الإسلام عن مسايرة ركب الحضارة - مع شدة تقبّل نفوسهم لها - لتلك الغشاوة التي أطبقت على فطرتهم ، فلما بعث سيد البشر ، وخاتم الرسل محمد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم أزال تلك الغشاوة فانطلقوا من عقالهم ، ونشطوا من سكرتهم ، فأصابت الدعوة إلى العلم شغاف قلوبهم ، وحركت مكامن نفوسهم ، وخاصة عندما رأوا التناسب الظاهر بينها وبين صلاح طبائعهم ، وصفاء أذهانهم ، وجودة قرائحهم ، وبعد مداركهم ، فرأيتهم ينهلون من منابع العلم ، ويغرفون من عيونه ، حتى كانوا بعد فترة من الزمن سادة عصرهم ، ونسيج وحدهم في هذا المجال ، فأقاموا حضارة عظيمة آذنت بأفول الحضارات السابقة ، ومثلها كمثل الشمس إذا طلعت ، لا تبقي أثرا لسائر الكواكب .